الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

136

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ومما روي عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) " التبتل رفع اليد إلى الله حال الصلاة " ( 1 ) والواضح أن هذا هو مظهر من مظاهر الإخلاص والانقطاع إلى الله . على أي حال فإن ذلك الذكر لله تعالى وهذا الإخلاص هما الثروة العظيمة لأهل الله في مهامهم الثقيلة لهداية الخلق . ثم ينتهي إلى الأمر الثالث فيقول : رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا وهنا تأتي مسألة إيداع الأمور إلى الله ، وذلك بعد مرحلة ذكر الله والإخلاص ، إيداع الأمور للرب الذي بيده الحاكمية والربوبية على المشرق والمغرب والمعبود الوحيد المستحق للعبادة ، وهذا التعبير في الحقيقة هو بمنزلة الدليل على موضوع التوكل على الله ، فكيف لا يتوكل الإنسان عليه ، ولا يودعه أعماله ، وليس في العالم الواسع من حاكم وآمر ومنعم ومولى ومعبود غيره ؟ وبالتالي يقول في الأمر الرابع والخمس : واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا . ويأتي هنا مقام الصبر والهجران ، لكثرة إتهامات الأعداء وإيذاءهم له في طريق الدعوة إلى الله ، فالفلاح إذا أراد قطف الورود ، عليه أن يصبر ويتحمل أذى الأشواك ، مضافا إلى ذلك يلزم الابتعاد عنهم وهجرانهم أحيانا ، وليبقى في مأمن من شرهم ، ويعطيهم بذلك درسا بالغا ، ولا يعني ذلك قطع سبل التربية والتبليغ والدعوة إلى الله . وعلى هذا فإن الآيات المذكورة آنفا تعتبر وثيقة من الأوامر تعطي للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولمن يحذو حذوه هذا المفهوم ، وهو أن يستمد العون من عبادة الليل والدعاء والتضرع إلى الله تعالى ويسقي هذه الشجرة بماء الذكر الله تعالى ، والإخلاص والتوكل والصبر والهجران الجميل ، يا لها من صحيفة جامعة وجميلة !

--> 1 - نور الثقلين ، ج 5 ، ص 450 ، ح 27 .